أبي نعيم الأصبهاني
278
حلية الأولياء وطبقات الأصفياء
التصوف عن القال والقيل لكن عن الجوع وترك الدنيا وقطع المألوفات والمستحسنات . لأن التصوف هو صفاء المعاملة مع اللّه ، وأصله العزوف عن الدنيا ، كما قال حارثة : عزفت نفسي عن الدنيا فأسهرت ليلى وأظمأت نهارى . * حدثنا محمد بن الحسين قال سمعت أبا بكر الرازي يقول سمعت أبا محمد الجريري يقول سمعت الجنيد يقول لرجل ذكر المعرفة . فقال الرجل : أهل المعرفة باللّه يصلون إلى ترك الحركات من باب البر والتقرب إلى اللّه . فقال الجنيد : إن هذا قول قوم تكلموا بإسقاط الاعمال ، وهذه عندي عظيمة والذي يسرق ويزنى أحسن حالا من الذي يقول هذا ، وإن العارفين باللّه أخذوا الاعمال عن اللّه وإليه رجعوا فيها ، ولو بقيت ألف عام لم أنقص من أعمال البر ذرة إلا أن يحال بي دونها ، وإنه لأوكد في معرفتي وأقوى في حالي . * أخبرنا جعفر بن محمد في كتابه وحدثني عنه محمد بن إبراهيم قال سمعت الجنيد بن محمد يقول : حاجة العارفين إلى كلاءته ورعايته ، قال اللّه عز وجل : ( قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ مِنَ الرَّحْمنِ ) ونجح قضاء كل حاجة من الدنيا تركها ، وفتح كل باب شريف بذل المجهود . قال ورأيت الجنيد في المنام فقلت : أليس كلام الأنبياء إشارات عن مشاهدات ؟ فتبسم وقال : كلام الأنبياء بناء عن حضور ، وكلام الصديقين إشارات عن مشاهدات قال وكتب الجنيد إلى بعض إخوانه : من أشار إلى اللّه وسكن إلى غيره ابتلاه اللّه وحجب ذكره عن قلبه وأجراه على لسانه ، فان انتبه وانقطع عمن سكن إليه ورجع إلى من أشار إليه كشف اللّه ما به من المحن والبلوى ، فان دام نزع اللّه على سكونه من قلوب الخلق الرحمة عليه ، وألبس لباس الطمع لنزداد مطالبته منهم مع فقدان الرحمة من قلوبهم ، فتصير حياته عجزا وموته كدا ومعاده أسفا . ونحن نعوذ باللّه من السكون إلى غيره . وقال الجنيد : لو أقبل صادق على اللّه ألف ألف سنة ثم أعرض عنه لحظة كان ما فاته أكثر مما ناله وقال رجل للجنيد : علام يتأسف المحب ؟ قال : على زمان بسط أورث قبضا أو زمان أنس أورث وحشة وأنشأ يقول :